ابن عجيبة
52
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وفي عهد أبى بكر ، بنو فزارة قوم عيينة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن مسلمة ، وبنو سليم ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض تميم ، قوم سجاح المتنبئة زوجة مسيلمة ، وكندة قوم الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين ، فكفى اللّه أمرهم على يديه . وفي مدة عمر رضى اللّه عنه غسان ، قوم جبلة بن الأيهم ، الذي ارتد من اللطمة . فهؤلاء جملة من ارتد من العرب . فأتى اللّه بقوم أحبهم وأحبوه ، فجاهدوهم حتى ردوهم إلى دينهم . ومحبة اللّه للعبد : توفيقه وعصمته وتقريبه من حضرته . ومحبة العبد للّه : طاعته والتحرز من معصيته ، وسيأتي في الإشارة الكلام عليها . ثم وصفهم بقوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي : عاطفين عليهم خافضين جناحهم لهم ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ شداد متغالبين عليهم ، وهذا كقوله فيهم : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ، « 1 » يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من ارتد عن دين اللّه ، وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ لصلابتهم في دين اللّه ، وفيه إشارة إلى خطأ من لام الصّدّيق في قتال أهل الردة ، وقالوا له : كيف تقاتل قوما يقولون : لا إله إلا اللّه ؟ فقال : ( واللّه لنقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة ) - فلم يلتفت إلى لومهم . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ، الإشارة إلى ما خصهم اللّه به ، من المحبة والأخلاق الكريمة ، وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل والعطاء عَلِيمٌ بمن هو أهله . ولمّا نهى عن موالاة الكفار ذكر من هو أهل للموالاة فقال : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ؛ لم يقل : أولياؤكم بالجمع ، تنبيها على أن الولاية للّه على الأصالة ، ولرسوله وللمؤمنين على التبع ، ثم وصفهم بقوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ أي : خاضعون للّه ، ولعباده متواضعون ، منقادون لأحكامه ، أو يتصدقون في حال ركوعهم في الصلاة ، حرصا على الخير ومسارعة إليه ، قيل : نزلت في علي - كرم اللّه وجهه - ؛ سأله سائل وهو راكع في صلاة ، فطرح له خاتمه ، وقيل : عامة ، وذكر الركوع بعد الصلاة ؛ لأنه من أشرف أعمالها . وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ، أي يتخذهم أولياء ، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ أي : فإنهم الغالبون ، ووضع الظاهر موضع المضمر ليكون كالبرهان عليه ، فكأنه قال : ومن يتول هؤلاء فهم حزب اللّه ، وحزب اللّه هم الغالبون ، وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم ، وتعريضا بمن يوالى غير هؤلاء ، فإنه حزب الشيطان ، وأصل الحزب : القوم يجتمعون لأمر حزبهم . قاله البيضاوي . الإشارة : محبة الحق تعالى لعبده سابقة على محبته له ، كما أن توبته عليه سابقة لتوبته ، قال تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا « 2 » ، قال أبو يزيد رضى اللّه عنه : غلطت في ابتداء أمرى في أربعة أشياء : توهمت أنى أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه ، فلما انتهيت ، رأيت ذكره سبق ذكرى ، ومعرفته تقدمت معرفتي ، ومحبته أقدم من محبتي ، وطلبه لي من قبل طلبي له . ه .
--> ( 1 ) من الآية 29 من سورة الفتح . ( 2 ) من الآية 118 من سورة التوبة .